
مشاركة: تساؤلات اقتصادية شرعية والإجابة
سلسلة مقالات في
الفكر الاقتصادي الاسلامي
الضوابط الشرعية
لهدايا بداية رأس السنة
إعـــــــــداد
الأستاذ بـجــــامــعــــة الأزهــــــر
خبير استشاري فى المعاملات المالية الشرعية
للإتصال بالمؤلف :
تليفون 0101504255 - 22717821
بريد الكتروني: (تم حذف الإيميل لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى)
الضوابط الشرعية لهدايا بداية رأس السنة
إعـــــــــداد
الاستشاري بـجــــامــعــــة الأزهــــــر
خبير استشاري فى المعاملات المالية الشرعية
u - تقديم
من سبل تقوية الروابط بين المسلمين وتأليف القلوب وتزكية روح الأخوة والحب بين الناس هو تبادل الهدايا, ولقد ورد عن النبي رسول الله صلي الله عليه وسلم) قوله : "تهادوا تحابوا" صلي الله عليه وسلمرواه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة), ولقد وضع الفقهاء بعض الضوابط للهدية حتى لا تكون الغاية منها التأثير على الشخص الذى يأخذ الهدية ليحيد عن شرع الله, أو أن تكون الهدية مرهقة لمن يقدمها, أو أن تتضمن نواحى إسراف وتبذير ومظهرية وترف أو أن تكون صورة رشوة مقنعة, وهذه الضوابط من الأهمية أن يعرفها أطراف الهدية, حتى تحقق مقاصدها المشروعة ولا تكون سبباً فى إفساد الذمم أو تمثل إسرافاً وتبذيراً للمال.
وسوف نحاول فى هذه المقالة المختصرة أن نبين الضوابط الشرعية لمضمون الهدية ومقاصدها وبيان أثر عدم الانضباط بهذه الضوابط على سلوكيات الناس وإنفاق المال وبيان ما يجب أن يلتزم به المسئولين على المال العام وما فى حكمهم فى تلك الهدايا.
u - مفهوم ومقاصد الهدايا فى الفقه الإسلامي
الإسلام دين الأخوة والحب والمودة والتكافل والترابط والسلام, ولتحقيق ذلك, حث الإسلام على تبادل الهدايا بين الناس, على سبيل المثال : بين الخاطب وخطيبته, وبين الزوج وزوجته, وبين الأب وأبناءه, وبين الإنسان وأصدقائه, وبين الأخ وأخيه, فقد قال تبارك وتعالى فى هدية الزوج لزوجته : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً"صلي الله عليه وسلمالنساء :4), وقال الفقهاء أن العطية أو الهبة يجب أن تكون عن طيب خاطر من المعطي وبلا توقع مقابل من الآخذ , فعن ابن معروف وعُدّى الجُهَنِى رضى الله عنه: قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم) يقول : "من بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه" صلي الله عليه وسلمرواه أحمد), أى من الضوابط الشرعية للهدية أن تكون عن طيب نفس ولا ينتظر لها عوض, وأن يكون مقصدها مشروعاً, ولقد أكد على ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم) فى حجة الوداع, فقال : "لا يحل من مال امرئ إلاّ ما أعطي عن طيب نفس" صلي الله عليه وسلم ( البخاري), وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم) إذا أُتِىَ بطعام سأل عنه: "أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة, "قال للصحابة: كلوا ولم يأكل", وإن قيل هدية: "ضرب بيده صلى الله علية وسلم فأكل معهم" صلي الله عليه وسلم ( أخرجه البخاري عن أبي هريرة) .
وخلاصة الرأى الفقهى للهدايا أن تكون طيبة وأن يكون مقصدها مشروعاً حتى لا تتحول إلى رشوة أو تبديداً للمال بدون منفعة أو إفساداً للذمم.
u - الضوابط الشرعية لهدايا بداية السنة.
لقد اهتم الإسلام بالضوابط الشرعية للمعاملات بين الناس حتى تكون بعيدة عن الحرام ومواطن الشبهات, فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ) "إنما الحلال بين, وإنما الحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام .... إلى آخر الحديث" صلي الله عليه وسلم (رواه البخاري ومسلم) ويستنبط من هذا الحديث وجوب تجنب المعاملات التى فيها شبهة, وحتى تكون الهدية بعيده عن الشبهات يجب أن مراعاة الضوابط الشرعية الآتية:
(1) أن تكون غاية الغايات من الهدية هي تقوية الحب والمودة, وإزالة غرائز الحقد والبغض والكراهية من الصدور, وهذا ما أشار إليه الرسول صلي الله عليه وسلم) فى حديثه الشريف : "تهادوا تحابوا" صلي الله عليه وسلم (رواه الحاكم والبيهقى).
(2)أن تكون عن طيب نفس من معطيها, ليس فيها إكراه أو غضب وإلاّ تعتبر نوعاً من أنواع أكل أموال الناس بالباطل, وهذا ما حرمه الإسلام فى قول الله تبارك وتعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِصلي الله عليه وسلمالنساء :29), وقول الرسولصلي الله عليه وسلم) : "لا يحل من مال امرئ إلاّ ما أعطى عن طيب نفس" صلي الله عليه وسلم (البخارى) , وقوله صلي الله عليه وسلم) : "كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله" صلي الله عليه وسلم (رواه أحمد).
(3) أن تكون الهدية بدون مسألة أو طلب من الأخذ, فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم) لعائشة :"من أعطاك عطاء بغير مسألة فاقبليه فإنما هو رزق عرضه الله تعالى إليك"صلي الله عليه وسلم رواه أحمد والبيهقى).
(4) أن يكون موضوع الهدية ومضمونها حلالا يتفق مع شرع الله عز وجل, فعلى سبيل المثال لا يجوز أن تكون الهدية من زجاجات الخمر أو أدوات الميسر أو التماثيل أو أى شئ يستخدم فى معصية الله.
(5) أن تكون الهدية من التى ينتفع بها شرعاً وأن تقع فى مجال الضروريات والحاجيات والتحسينات ولا يجوز أن تكون فى مجال المظهرية والخيلاء, وأساس ذلك قول الرسول صلي الله عليه وسلم) : "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا, ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة" صلي الله عليه وسل (مرواه ابن ماجه).
(6)عدم الإسراف والتبذير فى الهدايا مما يؤدى إلى إرهاق المعطى, أو إرهاق ميزانية البيت أو الشركة أو الدولة, حيث أن الإسراف والتبذير من كبائر الذنوب ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى :وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراًصلي الله عليه وسلمالإسراء :26. 27).
فإذا توافرت الضوابط السابقة فى هدايا السنة الجديدة صارت حلالاً للعاطى وللأخذ.
u - الضوابط الشرعية لهدايا بداية السنة من المال العام
للمال العام حرمته فى الإسلام, ويجب حمايته والمحافظة عليه وعدم تبديده أو الإسراف فيه أو إنفاقه بدون منفعة, لأن هذا المال ملك للمسلمين جميعاً, وسوف يسأل الحاكم عنه أمام الله عز وجل يوم القيامة, ولقد أكد على ذلك عمر بن الخطاب بقوله : "أن يؤخذ بالحق ويعطى فى الحق, ويمنع من الباطل" صلي الله عليه وسلم (الخراج لأبى يوسف), والتاريخ الإسلامي حافل بنماذج توضح حرص المسلمين على مال الدولة, فقد روى أنه بعث بالأخماس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه, وفيها سيف كسرى ومنطقته وزبر جده, فلما رآه عمر قال : "إن قوماً أدوا هذا لذوا أمانة, فقال له بعض الحاضرين : "إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى, فأدوا إليك الأمانة ولو رتعت رتعوا" صلي الله عليه وسلم (لسياسة الشرعية لابن تيمية).
كما روى أن عمر بن عبد العزيز "كان ينظر فى شئون المسلمين على ضوء إحدى شموع بيت المسلمين," إذ بمحدثه يسأله عن أحواله, فيقوم عمر ابن عبد العزيز ليطفئ الشمعة ويضئ غيرها, فيقول عمر : كنت أضأت شمعة من مال المسلمين وأنا فى مصالحهم, أما وقد سألتنى عن حالى, فقد أضأت شمعة من مالى الخاص".
ولذلك فإنه يجب على المسئولين عن المال العام وبصفة خاصة فى شركات قطاع الأعمال العام الذين يقومون كل عام بطبع الآلاف من المذكرات والتقويم وينفقون الآلاف على شراء الهدايا من أموال تلك الشركات ومعظمها خاسرة ويوزعونها فى بداية السنة الجديدة عليهم أن يسألوا أنفسهم ويستشعروا الضوابط الشرعية الآتية:
· أن المال الذي بأيديهم ملك لله عز وجل ولجماعة المسلمين وأن الإسراف والتبذير فيه كبيرة من الكبائر سوف يسألون عنها يوم الحساب عندما يسأل كل إنسان عن المال من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
· هل هناك منفعة مشروعة من إنفاق الآلاف والملايين من الجنيهات على هدايا السنة الجديدة, وما هى؟ وهى تلك المنفعة أكثر من التضحية؟
· كيف توزع هذه الهدايا , هل لمستحقيها ؟ أم للأصدقاء والأقارب بدون أن يعود على الشركة منها أى نفع.
· هل أن ظروف الشركة المالية تسمح بإنفاق تلك الألوف على تلك الهدايا, وهى تقترض من البنوك بفوائد ربوية ومثقلة بالديون؟.
· هل كان رشيداً غير مسرف أو مبذر فى شراء تلك الهدايا؟.
· هل خشي الله عز وجل فى مال الشركة؟.
u- وخلاصة آراء الفقهاء فى هدايا رأس السنة
C إن عدم الالتزام بشرع الله عز وجل فى هدايا السنة الجديدة وفى المحافظة على المال العام , يوقع فى ارتكاب المعاصى والإثم, وسوف يحاسب المعطى بدون حق يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
C إن الالتزام بشرع الله ليست مسألة سهلة وليست طريقاً مفروشاً بالحرير أو مزروعاً بالورود, ولكن يحتاج إلى مجاهدة النفس الأمارة بالسوء, وخشية الله عز وجل فى كل الأعمال ومحاسبة النفس قبل أن تحاسب وهذا كله لا يكون إلاّ لدى المسلم الملتزم الذى عنده قيم إيمانية وأخلاق إسلامية وسلوك مستقيم يعامل المال العام معاملة ماله الخاص.
C لو التزمنا فى شركاتنا ومؤسساتنا وهيئاتنا وبيوتنا بالضوابط الشرعية فى هدايا السنة الجديدة لتحقق الخير للفرد والأسرة والدولة ولوفرنا المال الكثير لتشغيل العاطلين وتسديد ديون المديونين وتجنباً أن نمد أيدينا إلى غيرنا.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل