
مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
التجربة العارضة!
بـريــد الأهــرام
42942
السنة 127-العدد
2004
يوليو
2
14 من جمادى الأولى 1425 هـ
الجمعة
أنا رجل أبلغ من العمر71 عاما ومتزوج منذ47 عاما من ابنة عمتي وهي في مثل عمري ولم تكن حياتنا الزوجية مستقرة إلا أننا رزقنا بثلاث بنات, عكفت علي تربيتهن وتهذيبهن خلقيا ودينيا وتحملت الكثير من مضايقات هذه الزوجة وشتائمها لي ولوالدتي حتي بعد وفاتها, إلي أن أديت رسالتي نحو بناتي بإتمام تعليمهن الجامعي وزواجهن من رجال أكفاء وإنجابهن لحفدة أعزاء وصل بعضهم إلي نهاية التعليم الجامعي بعون من الله وفضله.
ومنذ نحو ثلاث سنوات ونظرا لما كابدته من نفور من زوجتي وجدت نفسي عاجزا عن الاتصال الحميم بها, مما دعاني للابتعاد عن مخدعها والنوم في حجرة أخري, وبمرور الأيام وجدتني أفقد توازني العاطفي والشخصي وأتغير في تعاملي مع الناس عموما, فحاولت العلاج بالأدوية المقوية ولكنها لم تأت بنتيجة مما زاد من همومي وانطوائي, وفي هذه الأثناء وضعت الأقدار في طريقي آنسة في نحو الثلاثين من عمرها رأيت فيها ماقد يعيد لي مافقدته, فعرضت عليها الزواج وقبلت بعد تريث وتفكير, وأتممنا الزواج عند المأذون ودخلت بها في أمان الله وكانت إرادة الله أن تحمل ولكن لم يدم الحمل طويلا, فتألمت كثيرا ثم صبرت واحتسبت. ومرت تسعة أشهر ونحن نتقابل مرة واحدة في الأسبوع حفاظا علي شعور الزوجة الأولي, ومدعيا علي غير الحقيقة وجودي في أماكن أخري, وفي مساء أحد الأيام منذ أسبوعين إذا بزوجتي الأولي تباغتني بعد عودتي من لقائي بزوجتي الثانية بسؤالها أين كنت؟ وتصر إصرارا عجيبا علي معرفة الاجابة مما اضطرني لأن أصرح لها بالحقيقة المرة التي لم تتوقعها, فهاجت وماجت واستدعت إخوتي واكبرهم يصغرني بنحو14 سنة لتعرض عليهم الأمر واعتبرتهم أهلها, مما أساء لمش
اعري بصفتي الأخ الأكبر لهم وعميد أسرتهم. وطلبت الطلاق مع إحتفاظها بالشقة والإقامة فيها وعدم وجودي فيها أيضا إلا إذا طلقت الثانية..وإنني الآن اسألك ؟
هل أنا مخطئ بزواجي الثاني مع وضع الظروف التي ألجأتني لذلك الزواج في الاعتبار؟ وهل من حقها الاحتفاظ بالشقة وأخذ حقوقها المادية كاملة أيضا؟ وهل من العدل تطليق زوجتي الثانية إرضاء للزوجة الأولي وبناتها الثلاث المتزوجات؟
وهل إذا تم طلاق الزوجة الثانية ستستقيم الأمور وتنصلح حالتي النفسية وكأن شيئا لم يكن؟ أم سأعود للهموم والإنطواء مرة أخري؟..
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
الزواج للمرة الثانية في هذه المرحلة من العمر وممن تصغرك بأكثر من40 عاما ليس مما يتفق مع طبيعة المرحلة.. ولا مع المكانة التي يحرص أب مثلك علي أن تكون له بين بناته وأزواجهن وأصهارهن, ناهيك عن الأهل والإخوة الذين يصغره أكبرهم بـ14 عاما.. لهذا فلقد كان الأجدر بك وقد صبرت ـ كما تقول ـ علي حياتك الزوجية47 عاما أن تحتمل مابقي من العمر المقدور للإنسان, بغير الإقدام علي مثل هذه المغامرة التي تهدد الحياة العائلية بالاضطراب والقلاقل في سن الجلال والاحترام. إن لم يكن رعاية للزوجة والأم التي رافقتك مايقرب من نصف قرن, فرعاية علي الاقل للبنات المتزوجات وحرصا علي تجنيبهن الحرج مع أزواجهن وأصهارهن, وتفاديا لتكدير حياتهن بمشكلة تتعلق بأمهن وتفرض عليهن كل الظروف أن يتعاطفن معها فيها وينحزن إلي جانبها ضدك مع مايترتب علي ذلك من حرج معك, أو كدر في العلاقة بينك وبينهن, ولقد كن في غني عن كل ذلك لو كان أبوهن قد وضعهن في اعتباره بعض الشئ وهو يقدم علي هذه الزيجة الثانية, كما أن الانسان لايكتسب مايستحقه من مكانة لدي أبنائه وأخوته وأهله بضعفه أمام رغائبه وانحصار تفكيره فيما يحقق له وحده المتعة دون النظر إلي أي شئ آخر.. وإنما بترفعه عما لايليق به ولا بالمرحلة التي يجتازها من العمر وبصبره علي بعض النواقص في حياته, بغير أن ينزلق إلي مايخدش جلاله واحترامه لدي من يهمهم أمره, وقديما قالت الحكمة البوذية إن العظمة الحقيقية هي في الصبر علي المكاره, وليس العكس, ولهذا فلن اناقش معك قانونية حق زوجتك الأولي في الانفراد بمسكن الزوجية دونك إذا رفضت أنت إنهاء هذه التجربة العارضة في حياتك, لأن الأمر هنا لايتعلق بالحقوق ولابنصوص القانون, وإنما يتعلق بما يليق بالفضلاء أن يفعلوه وما لايليق.. ومايليق بالفضلاء هو أنه إذا استجاب أحدهم لأهوائه وأقدم علي ما أقدمت عليه أنت وأصرت زوجته علي أن يطلق الأخري أو تنفصل عنه بعد عشرة47 عاما, فإنه لايجد مفرا أمامه من أنهاء هذه التجربة العارضة.. وتعويض بطلتها ماديا عن ذلك إرضاء لنفسها ولأن الإغراءات المادية كانت بالضرورة أحد أسباب قبولها لها, ثم العودة إلي الزوجة الأولي ومحاولة بعث الحياة في علاقته بها أو الرضا بحياته معها دون تطلع إلي ماينقصه فيها, فإن لم يفعل ذلك وأصر علي الاستمرار في التجربة العارضة إلي آخر مدي, فلا مفر أمامه في هذه الحالة من الاستجابة لمطلب زوجته الاولي بالانفصال.. وترك مسكن الزوجية لها رعاية لعشرة نصف قرن من الزمان أيا كانت تحفظاته عليها.. وإكراما لأبنائه الذين يشقون باضطراب حياة أمهم في مثل هذه المرحلة من العمر.., ويزعجهم كثيرا أن تفقد أمهم استقرار حياتها وأمانها في أواخر العمر, وذلك كله بغض النظر عن حق الزوجة في الشقة أو عدم أحقيتها فيها, فهل تفعل مايفعله الفضلاء في مثل هذه الظروف؟!