
مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
البيت المهجور
بـريــد الأهــرام
42956
السنة 127-العدد
2004
يوليو
16
28 من جمادى الأولى 1425 هـ
الجمعة
قرأت رسالة النداء الحكيم للقارئة الفاضلة التي تنصح الزوجات بأن يعاملن حمواتهن كأمهات لهن ويتذكرن أنه لولا هؤلاء الحموات اللاتي أنجبن أزواجهن لما نعمن بالحياة الزوجية, ولربما كن قد عشن وحيدات طيلة العمر.., وأنا أتفق معها في أن هناك من الحموات من هن أمهات فضليات بالفعل لزوجات أبنائهن.. ومنهن من ينصفن زوجات أبنائهن منهم إذا ظلموهن, لكن هناك بالضرورة من هن غير ذلك, وأنا زوجة منذ خمسة عشر عاما لزوج عطوف وحنون, وقد عشنا معا حياة سعيدة هادئة يظللها الحب والتفاهم ولا يتخللها سوي بعض الخلافات العادية التي قد تنشأ بين أي زوجين, ثم سرعان ما كنا نتصافي ويتغلب حبنا علي كل شيء.., وهكذا مضت حياتنا جميلة وسعيدة ولا يكدر صفوها شيء إلي أن جاءت حماتي للاقامة في شقة مستقلة بنفس المنزل الذي نقيم فيه.. فكان ذلك حدا فاصلا بين السعادة والشقاء في حياتنا,إذ لم نهنأ أنا وزوجي منذ ذلك الحين بلحظة سعادة أو راحة بال واحدة فهي سليطة اللسان وحقود وكارهة لنفسها ولابنها أي لزوجي, وتري كل الناس مخطئين وتملأهم العيوب ما عداها هي وحدها من بين كل البشر, كما أنها تدعي المرض بصفة يومية لكي أقوم بخدمتها, وأنا الزوجة والأم ا
لمثقلة بأعباء البيت ومن أبنائي من هو صغير ويحتاج للرعاية, ومريض ويتطلب الخدمة, ولابد لي أن أترك كل شيء وأكون رهن اشارتها.. ولابد لي أن أجلس إليها والجلوس إليها في حد ذاته مشقة لأنها لا تكف عن افتعال المشاكل أو الولولة علي ما فاتها أو علي سوء حظها.. أو علي حياتها التي شهدت ظلم كل من حولها وسوء معاملتهم لها, كما لا تكف عن انتقاص كل من يرد ذكره علي لسانها.. وتعداد معايبه وسوءاته طوال الوقت.
ولقد حاولت معها الكثير فمرة أخفض لها جناح الذل من الرحمة كما قالت كاتبة رسالة النداء الحكيم. ومرة أحاول أن أكون ابنتها وصديقتها ولافائدة.
أما الغريب حقا فهو علاقتها بابنها أي زوجي, فهما ليسا علي وفاق في أي شيء.
وطباعهما متنافرة وتفكيرهما كذلك, وهي ليست حنونا معه ولا هو كذلك نظرا لطباعها الصعبة وتباعدهما معظم رحلة الحياة.
وهي غنية وتعطيه من مالها لكنها تمن عليه دائما أمام أولاده وأمامي وأمام معارفنا إن أمكن, ولا تتقي الله فيه ولا تكف عن افتعال المشاكل معه وتجريح كرامته وإهانته أمام أي إنسان حتي أولاده, وهو الرجل الذي شارف الأربعين من العمر, أما زوجي فإنه يرعي حدود ربه فيها بقدر ما يستطيع لكي يضع له الله ذلك في ميزان حسناته إن شاء الله, وأما أنا فقد أهملت أولادي ووهنت صحتي من أثر محاولاتي للتوفيق بينهما. واضطراري للتعامل معها والاحتكاك بها أكثر الوقت.
وأنا أقول لزوجي دائما إنها أمه وعليه ألا يغضبها مهما حدث منها وأذهب إليها وأتودد لها, وأحاول تحريك مشاعرها وقلبها علي ابنها واضطر لأن أسمع أسوأ الكلام وأتحمل جفاء طباعها أملا في رضاء ربي فقط لا غير.. وكل ذلك بلا طائل فلقد أصبحت حياتنا جحيما لأنها كالبركان لا يسلم من أذاه كل من يقترب منه.
ولقد أصبح زوجي الحنون مكتئبا وحزينا علي الدوام, ولا يدري كيف يرضيها أو يتجنب اهانتها له. وقد اختار أن ينتقل في عمله إلي موقع بعيد عنا يبقي فيه معظم الشهر ويرجع إلينا أياما قليلة تجنبا للمشاكل مع والدته ولم نعد نري زوجي الحبيب كما كان أنا وأولادي فهل هذا عدل.
إنني مضطرة للتعامل معها طلبا لرضاء الله سبحانه وتعالي قبل كل شيء ولأن كل من حولها قد انفضوا عنها بسبب لسانها ومعاملتها السيئة للناس,.. وأتجرع وحدي حديثها بالسوء عن الناس جميعا بلا استثناء, ولست أجاريها في حديثها بالسوء عنهم لكني أخشي بالرغم من ذلك أن أكون مذنبة بسماعي منها هذا الكلام السييء, ولا أريد أن أغضب الله سبحانه وتعالي, ولا أريد في نفس الوقت أن أخسر حياتي وما كان فيها من راحة بال وهدوء نفس وطمأنينة, فهل هذا كثير؟.. أنني أريد منك أن تقول لزوجي الحبيب كلمة تهديء فيها من نفسه وتعينه علي حاله وتنصحه حتي يهدأ باله, ونستطيع أن نلملم شتات أسرتنا من جديد. كما أريد أن أستوضح منك هل أقترف الذنوب بسماعي لما تقوله حماتي طوال الوقت عن الناس وعدم اعتراضي عليه.. ذلك أنني أسمع صامتة وأخشي مراجعتها فيما تقول لكيلا تنقلب علي وتعاديني بشدة فهل أرتكب إثما بذلك؟ علما بأن كل الأهل والأصدقاء قد توقفوا عن زيارتنا بسبب سوء معاملة هذه السيدة لهم حتي أصبح بيتنا مهجورا تماما.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
كان الامام الشافعي يقول لأصحابه: نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا أي الفحش كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به فإن المستمع شريك القائل, وأن السفيه لينظر إلي أخبث شيء في إنائه ويحرص علي أن يفرغه في أوعيتكم!
والأصل هو أن ينزه الإنسان سمعه عن مثل ذلك وأن ينكره علي قائله ويتجنب صحبة من عرف عنهم أنهم لا يذكرون أحد إلا بسوء لكيلا يصيبه رذاذ من إثم فحشه واغتيابه للآخرين, غير أن تعقيدات الحياة وما تقتضيه أحيانا من اعتبارات المواءمة الاجتماعية تفرض علينا ألا نشتبك علي الدوام مع كل من يذكرون الغير بسوء ولقد تضطرنا الظروف أحيانا إلي الاكتفاء بالإنكار بالقلب والتزام الصمت المتحفظ حتي يستشعر القائل حرجنا مما يقول ويكف عنه.. ولقد نغادره إذا واصل حديث السوء لنحرمه من أن يصب أخبث ما في انائه في أوعيتنا وفي مثل ظروفك هذه فإنك لا تملكين حيال والدة زوجك إلا التزام الصمت وعدم مشاركتها في الاساءة للغير.. ومحاولة تغيير مجري الحديث كلما أوغلت في اجتراح الكرامات.. لأن اعتبارات المواءمة العائلية تفرض عليك ألا تجابهيها بالانكار العلني وألا تقاطعيها مراعاة لشيخوختها.. ووحدتها.. ونفور الجميع منها. ولا إثم عليك إن شاء الله في ذلك لأنك ترعينها وتصبرين علي ما يصدر عنها ولا تجارينها فيما تقول, ولا تشجعينها علي مواصلته وهذا ما أنصح به زوجك.. وهو أن يراعي شيخوختها ويتحمل أذاها ويعتصم بالصبر ازاءها معتبرا صبره عليها قربي إلي ال
له سبحانه وتعالي واحسانا إلي والدته يرجو به وجه ربه قبل أي شيء آخر, ولابد أن يؤدي ذلك إذا التزم به إلي تجنب الكثير من أسباب الاصطدام بها.. وإلي تضييق مساحات الخلاف معها بقدر الامكان.
وفي النهاية فإننا لا نملك استبدال آبائنا أو أمهاتنا بمن هم أكثر توافقا معنا أو مع طباعنا ورؤانا للحياة, كما لا نملك كذلك القدرة علي تغيير سلوكهم أو طباعهم أو شخصياتهم.. وإنما علينا أن نقبلهم كما هم عليه وأن نتواءم معهم بقدر الامكان ونتجنب كل ما يؤدي إلي الشقاق معهم أو اغضابهم أو يثير نقمتهم علينا حتي ولو آذونا بالقول أو الفعل.. وفي أبنائكم الذين يرونكم تشربون علي القذي لكيلا تقصروا في حقوق آبائكم وأمهاتكم.. خير الجزاء بإذن الله.