
مشاركة: الضرائب وحكم توظيفها
المطلب الثاني
المانعون لفرض الضرائب
يرى هذا الفريق أن الحق الوحيد في المال هو الزكاة، فمن أخرج زكاة ماله فقد برئت ذمته، ولا يجوز بعد ذلك التعرض لما في يده من أموال دون حق ولا يطالب بشيء إلا أن يتطوع رغبة بالأجر من الله تعالى.
حجتهم في المنع: احتجوا لهذا الرأي بأحاديث أهمها:
1- ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة فقال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر على رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، وفي رواية قال عليه السلام: "إن صدق الأعرابي، دخل الجنة"(103)، ففي هذا الحديث أعلن الرجل أنه لا يزيد على الزكاة المفروضة ولا ينقص، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه من أهل الجنة.
2- روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك"(104)، ومن قضى ما عليه في ماله، لم يكن عليه حق فيه ولا يطالب بإخراج شيء آخر على سبيل الوجوب.
3- ما رواه ابن ماجة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس في المال حق سوى الزكاة"(105).
وقالوا إن ما جاء في بعض النصوص من إثبات حقوق في المال غير الزكاة مطلوبة على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب والالتزام كما في حق الضيف، أو قالوا بأنها حقوق واجبة قبل الزكاة فلما فرضت الزكاة نسخت كل حق كان قبلها(106).
4- احترام الملكية الشخصية. إذ أن الإسلام احترم الملكية الشخصية، وجعل كل إنسان أحق بماله وحرم الأموال كما حرم الدماء والأعراض، والضرائب مهما يقول القائلون في تبريرها وتفسيرها ليست إلا مصادرة جزء من المال يؤخذ من أربابه قسرًا وكرهًا.
5- الأحاديث الواردة بذم المكس، ومنع العشور. فلقد جاءت الأحاديث النبوية بذم المكوس والقائمين عليها وتوعدهم بالنار والحرمان من الجنة.
فعن رويفع بن ثابت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن صاحب المكس في النار"(107).
وعن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة صاحب مكس"(108)، وعدّ الذهبي المكس من الكبائر وقال: المكاس من أكبر أعوان الظلمة، بل هو من الظلمة أنفسهم، فإنه يأخذ ما لا يستحق، ويعطيه من لا يستحق(109).
المطلب الثالث
مناقشة أدلة الطرفين
بعد عرض أدلة الطرفين المانعين والمجيزين أرى أنه لابد من مناقشة آراء الفريقين وحججهم لنتبين ما يترجح من الآراء.
أولاً: مناقشة آراء المانعين والرد عليهم:
لقد احتج المانعون لفرض الضريبة وإنه ليس في المال حق سوى الزكاة بأحاديث يؤخذ من ظاهرها ما قالوه. وإليك ما أجاب به المجيزون عن أدلة المانعين:
أ- فبخصوص حديث الأعرابي الذي أعلن فيه أنه لا يزيد على الزكاة المفروضة ولا ينقص وقبل منه الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه من أهل الجنة، وكذلك حديث الترمذي عن أبي هريرة إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك.
فقد رد عليها بأن الزكاة حق على المسلم تأديته وهو حق محدد وثابت في المال وواجب على الأعيان بصفة دائمة تطهيرًا وتزكية للنفس والمال، وهو واجب الأداء وإن لم يوجد فقير يستحق المواساة، أو حاجة تستدعي الإسهام.
فالفرد المسلم المالك للنصاب في الظروف العادية لا يطالب بشيء من ماله غير الزكاة فإذا أداها قضى ما عليه، وليس عليه شيء آخر، إلا أن يطوع كما جاء في الحديث.
أما الحقوق الأخرى كفرض الضرائب ونحوها فهي حقوق طارئة غير ثابتة ثبوت الزكاة، وغير مقدرة بمقدار معلوم، فهي تختلف باختلاف الأحوال والحاجات، وتتغير بتغير العصور والمستجدات، فإذا كثرت حاجات الأفراد، واتسعت نفقات الدولة وأعباؤها كما في عصرنا الحديث، فحينئذ لابد من تدخل الدولة وفرض ما تحتاجه لمواجهة ما طرأ(110) كما جاء في فتح الباري من قول القرطبي ردًا على حديث الأعرابي: ولعل أصحاب هذا القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال لئلا يثقل عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه، والحرص على تحصيل المندوبات سعلت عليهم(111).
ب- أما بخصوص حديث فاطمة بنت قيس "ليس في المال حق سوى الزكاة":
1- قال فيه ابن تيمية: أي ليس في المال حق يجب بسبب المال سوى الزكاة، وإلا ففيه واجبات بغير سبب المال، كما تجب النفقات للاقارب والزوجة وحمل العاقلة وقضاء الديون، ويجب الإعطاء في النائبة، ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري فرضًا على الكفاية إلى غير ذلك من الواجبات المالية(112).
2- وقال المناوي عند شرحه للحديث: يعني ليس فيه حق سوى الزكاة بطريق الأصالة، وقد يعرض ما يوجب فيه حقًا كوجود مضطر، فلا تناقض بينه وبين الخبر "إن في المال لحقًا سوى الزكاة" لما تقرر أن ذلك ناظر إلى الأصل، وذا ناظر إلى العوارض، وبناء على ذلك فإنه لا يجوز الاحتجاج على منع توظيف المال على الأغنياء بحديث "ليس في المال حق سوى الزكاة"، بدعوى أن المسلم إذا أدى ما عليه من زكاة قد ثبت أن هناك حقوقًا أخرى في المال سوى الزكاة منها النفقة على الوالدين والولد والزوجة وعلى الرقيق والحيوان، ومنها الديون والأروش وقرى الضيف، وصلة الرحم(113).
3- ناهيك عما في الحديث من ضعف ذكره نقاد الحديث فقالوا حديث ضعيف جدًا ومردود بلا شك بل خطأ وتحريف(114).
4- أما بخصوص وجوب احترام الملكية الشخصية:
فإن احترام الإسلام للملكية الفردية لا ينافي تعلق الحقوق بالمال، وكما سبق أن أشرنا في الأدلة العقلية على جواز فرض الضريبة فإن للجماعة حقًا في مال الفرد لأنه لم يكسب ماله إلا بها، وهي التي أسهمت في تكوين ثروته، فإذا كان في الدولة الإسلامية محتاجون لم تكفهم الزكاة، أو كانت المصلحة العامة تتطلب مالاً لسد الثغور مثلاً، أو بناء مرفق عام ينتفع به الناس، أن كان دين الله وتبليغ دعوته يحتاج إلى مال لإقامة ذلك، فإن الواجب الذي يحتمه الإسلام أن تفرض في أموال الأغنياء ما يحقق هذه الأمور، وما دام تحقيق ذلك منوطًا بأولي الأمر، ولا مال إلا بفرض الضريبة فإن له الحق في ذلك(115)، لأن القاعدة الشرعية تقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"(116).
ج- قولهم بحرمة المكس:
إن المكس الذي يدعون غير الضريبة الشرعية وإن الأحاديث الواردة في ذم المكس أكثرها لم تثبت صحتها(117)، وإن كلمة المكس لا يراد بها معنى واحد محدد لغة أو شرعًا، فهو يأتي يمعنى: ما يأخذه العشار، والضريبة التي يأخذها الماكس وأصله الجباية، ويأتي بمعنى النقص، والمكس: انتقاص الثمن في البياعة وما يأخذ الماكس ممن يدخلون البلد من التجار(118). وعلى هذا يحمل صاحب المكس على الموظف العامل الذي يجبي الزكاة فيظلم في عمله، ويتعدى على أرباب الأموال فيأخذ منهم ما ليس من حقه. أو يقل من المال الذي جمعه مما هو حق للفقراء وسائر المستحقين، وقد يدل لذلك ما جاء عن بعض الرواة من تفسير العاشر بالذي يأخذ الصدقة على غير حقها(119)، كما أن أبا داود أخرج الحديث في باب السعاية على الصدقة(120).
وهناك محمل آخر لكلمة المكس لعله هو الظاهر(121)، والمراد بها الضرائب الجائرة التي كانت تسود العالم يوم ظهور الإسلام وتؤخذ بغير حق، وتنفق بغير حق، ولم تكن تنفق على مصالح الشعوب، بل في مصالح الملوك والرؤساء وشهواتهم، وأتباعهم، ولم تكن تؤخذ من الناس حسب قدراتهم على الدفع، فكثيرًا ما أعفى الغني محاباة، وأرهق الفقر عدوانًا، قال في التبيين من كتب الحنفية، وما ورد من ذم العشار محمول على من يأخذ أموال الناس ظلمًا كما يفعله الظلمة اليوم(122).
فهذا النوع من الضرائب هو أولى أن يطلق عليه اسم المكس الذي جاء فيه الوعد والوعيد، أما الضرائب التي تفرض من قبل الحاكم العادل، وبالشروط التي يجب أن تتوافر بها كما سنبين إن شاء الله تعالى وعلى أساس المصلحة والعدالة، لتغطي نفقات الميزانية وتسد حاجات البلاد من الإنتاج والخدمات، وتقيم مصالح الأمة العامة العسكرية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية وغيرها، فإن مثل هذه الضرائب لمثل هذه الغايات وما شابهها، لا يشك ذو بصر في الإسلام أنها جائزة بل قد تكون واجبة، وللحكومة الإسلامية الحق في فرضها وأخذها من الرعية حسب المصلحة وبقدر الحاجة(123).