
مشاركة: لماذا تقدم اليهود وتفوقوا علي المسلمين
* * *
واستطاعت هذه الفترة ان تقرر في واقع الحياة البشرية مبادئ وتصورات، وقيما موازين، لم يسبق أن تقررت في تاريخها كله، بمثل هذا الوضوح، وبمثل هذا العمق، وبمثل هذا الشمول للنشاط الحيوي كله. ولم يقع كذلك ان تقررت هذه المبادئ والتصورات والقيم والموازين في واقع البشرية مرة أخرى - وفي ظل أي منهج وأي نظام في الأرض كلها - بمثل هذا الوضوح، وبمثل هذا العمق، وبمثل هذا الشمول للنشاط الحيوي كله... ثم- وهذا هو الأهم- بمثل هذا الصدق والجد والإخلاص والتجرد الحقيقي العميق.
وقد تناولت هذه المبادئ والتصورات، وهذه القيم والموازين، كل قطاعات الحياة الإنسانية، تناولت تصور البشرية لإلهها، وعلاقاتها به. وتصورها لهذا الوجود الذي تعيش فيه وعلاقتها به، وتصورها لغاية وجودها الإنساني ومكانها في هذا الكون ووظيفتها...
كما تناولت - تبعاً لذلك- تصورها لحقيقة الإنسان، وحقوقه وواجباته وتكاليفه، والقيم التي توزن بها حياته ونشاطه ومكانته، والتي تقوم عليها علاقاته بربه، وعلاقاته بأهله، وعلاقاته بأبناء جنسه، وعلاقاته بالكون والأحياء والأشياء.
ومما تناولته... الحقوق والواجبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. والأنظمة والأوضاع والروابط التي تنظم هذه الحقوق والواجبات وبالجملة كل قطاعات الحياة الإنسانية في شتى صورها وجوانبها الكثيرة.
وقررت في هذا كله حكمها الذي يفردها ويميزها، ويجعل لها طابعها الرباني الفريد..
وقد تم هذا كله في وسط محلى معاد لمثل هذه المبادئ والتصورات، ولهذه القيم والموازين... وفي وسط عالمي منكر لأساس هذه المبادئ والتصورات والقيم والموازين.. وفي ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية وعقلية ونفسية - محلية وعالمية - من شأن ظواهرها ان تصادم هذه الاتجاهات التي قررها الإسلام في واقع الحياة البشرية، للمرة الأولى، أو على الأقل لا تساعدها على الحركة الطليقة. معتمداً في نجاحه - قبل كل شيء - على رصيد الفطرة البشرية من الاستعداد للاستقامة على المنهج الإلهي- الموافق في صميمه لهذه الفطرة - قبل ان تغشيها المؤثرات السطحية- وعلى استثارة هذا الرصيد، واستنقاذه من الركام الذي ران عليه. وهو رصيد ضخم، يكفي - حين يوجد المنهج الذي يستنقذه من التبدد والانطمار - لمقاومة تلك المؤثرات السطحية ، التي يظن بعض قصار النظر أنها تمثل كل شيء في حياة الإنسان... والإسلام لا يغفل هذه المؤثرات ولا يهمل آثارها في الحياة البشرية، ولكنه لا يقف أمامها مستسلماً، باعتبارها "أمراً واقعاً" لا فكاك منه. بل يلجأ إلى استنقاذ رصيد الفطرة؛ وتجميعه ، وتوجيهه، لتعديل الواقع، في رفق وتؤدة- على نحو ما بينا من طريقته في العمل في الفصل السابق- وينتهي إلى مثل ما انتهى إليه في تلك الفترة، في مواجهة تلك الظروف المناوئة، المحلية والعالمية، وتحويلها إلى ظروف مواتية. كما حدث بالفعل في الجزيرة العربية. وفيما وراءها كذلك!.
والبشرية اليوم قد تكون - في بعض الجوانب - أحسن حالاً وظروفاً منها يوم جاءها هذا المنهج، واحدث فيها - في فترة قصيرة- ذلك الانقلاب الشامل، وتلك الثورة العظمى- في رفق ويسر وانطلاق- وقد تكون أقدر على العمل بهذا المنهج- للأسباب التي سنبديها في فصل تال - وقد تكون طاقتها اليوم على حمله اكبر. وبخاصة حين نعرف ان رصيد الفطرة الإنسانية- على الرغم من كل ما يرسب فوقه من ركام الفساد والشر والانحراف ؛ وعلى الرغم من كل ما يبدده ويسحقه من الأوضاع المادية والمؤثرات الاقتصادية والفكرية - قادر على ان ينتفض، ويتجمع، ويعمل، حين يفلح المنهج في استنقاذه وتجميعه وتوجيهه، وإطلاقه في الخط المتناسق مع فطرة الإنسان، وفطرة الكون، كما خلقها الله. وان هذا الرصيد من الأصالة، والعمق، والضخامة، بحيث يرجح سائر العوامل الأخرى، التي تأخذ صورة "الواقع" ... فما بال إذا كان بعد هذه العوامل اليوم في صفه وفي اتجاهه؟
ان "الواقع" الخارجي يتراءى، لمن لا يعرفون طبيعة هذا المنهج، كما لو كان هو الحقيقة التي لا سبيل إلى تغييرها، ولا سبيل إلى زحزحتها، ولا سبيل إلى التمرد عليها!.
ولكن هذا ليس إلا وهماً كبيراً. فالفطرة البشرية "واقع" كذلك. وهي ليست على استقامة مع هذا الواقع الظاهري؛ بدليل أنها تشقى به في مشارق الأرض ومغاربها. وحين تصطدم الفطرة بوضع من الأوضاع، أو بنظام من النظم، فقد تغلب في أول الأمر، لأن وراء هذا الوضع أو هذا النظام قوة مادية تفرضه فرضاً، ولكن الذي لا شك فيه ان الفطرة أقوى واثبت من كل وضع طارئ عليها، ومن كل قوة تسند هذا الوضع الطارئ. ولابد لها من أن تغلب في النهاية. وبخاصة حين يقودها منهج طبيعته من طبيعتها..
وقد حدث هذا مرة يوم واجه ذلك المنهج الإلهي "واقع" الجزيرة العربية، وواقع الأرض كلها. فانتصر على هذا الواقع انتصاراً رائعاً، وبدل قوائمه التصورية والعملية، وأقامه على أسس جديدة.
وهذا الذي حدث لم يتم بمعجزة خارقة لا تتكرر. ولكنه تحقق - وفق سنة الله الدائمة- بجهد بشري، وفي حدود الطاقة البشرية... فدلت هذه السابقة على إمكان تكرار هذه الظاهرة.
فما بال إذا كانت التيارات التي أطلقتها تلك الفترة، والرواسب التي خلفتها، في حياة البشرية، وفي الواقع التاريخي، كلها عوامل مساعدة في المحاولة الجديدة؟
* * *